اسد حيدر

233

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

بيته وخلص أصحابه ، وقد قام كل بما يجب عليه من رعايتها ، وتحمل من نكبات واضطهاد في سبيل حفظها من تلك السلطات التي كانت تحاول القضاء عليها لمحو ذكر آل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم . وقد وقفوا أمام تلك التيارات وقفة إخلاص وإيمان وثبات على مبدأ الحق ، ولم يأبهوا يوما ما إلى سلطة أو سياسة ، ومرت تلك الأدوار العصيبة المظلمة ، ولم يزل ذلك الغرس ثابت الجذور نامي الفروع يسقى من ماء غير آسن ، حتى أفرعت دوحته وامتدت أغصانه وأينع ثمره بحفيد النبي الكريم ووارث علمه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام . كان الإمام الصادق عليه السّلام مهتما في تلك الفترة المارة الذكر ببث العلوم ونشر المعارف الإسلامية بين طبقات المجتمع ، فأقبل الناس على مدرسته وازدحموا على أبوابها ينتهلون من علومه ، ويقتبسون من أنوار معارفه ، وأقبلت وفود طلاب العلم من الأقطار الإسلامية ، حتى أصبح عدد تلاميذه والمنتمون إلى مدرسته أربعة آلاف ، منهم أئمة مذاهب كأبي حنيفة ، ومالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، وابن عيينة ، والأعمش ، وغيرهم وكذلك منهم رؤساء طوائف وأعلام الحديث والفقه . وكثر التأليف في عصره ، ودون فقه أهل البيت وحديثهم بصورة واسعة ، حتى أحصي ما دونوه في عصره فكان أربعمائة مؤلف لأربعمائة مؤلف ممن سمعوا الحديث منه ، فدونوه وعرفت بالأصول الأربعمائة وستأتي الإشارة لذلك عند ذكر تدوين الفقه الجعفري . وبالجملة فإن مذهب أهل البيت عليه السّلام هو أقدم المذاهب ، وقد تخطى في العصر الأموي تلك العقبات التي حاول الأمويون بها أن يعرقلوا سيره ، ويقفوا في طريق انتشاره ، وسيأتي بيان مقاومة العباسيين له ، ومعارضتهم لانتشاره . أخطاء تاريخية لابن خلدون : وأود هنا أن أعود للإشارة عما تجناه ابن خلدون على الحقائق التاريخية إذ يصف هذا المذهب بالبدعة حيث يقول في مقدمته : وشذ أهل البيت في مذاهب ابتدعوها ، وفقه انفردوا به « 1 » .

--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون : 274 .